منزلة الإسناد واختصاص الأمة به
حث الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة على أن يأخذ كل منها العلم عمن فوقه ، ويبلغه من دونه ، إذ في ذلك بقاء العلم وإظهاره ، ومعرفة أحكام الدين والعمل بها .
يقول صلى الله عليه وسلم : " تسمعون ، ويسمع منكم ، ويسمع ممن يسمع منكم " (1).
ويقول : " بلغوا عني ولو آية . . . " (2)
ويقول : " نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه ، حتى يبلغه عنا كما سمعه ، فرب حامل فقه غير فقيه " (3) ، وفي رواية : " ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " ، وفي رواية : " فرب مبلغ أوعى له من سامع " ، وقال في حجة الوداع : " ليبلغ الشاهد الغائب ، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه" (4).
وقد لوفد عبد القيس : " احفظوه وأخبروا به من وراءكم " (5).
وهو - صلى الله عليه وسلم- إذا كان قد حث الأمة على السماع والإسماع ، اللذين هما حصن أمان للسنة من أن يضيع منه حرف ، فإنه أيضا وضع لها الحصن الذي يحفظها من أن يزاد فيها حرف ، فحذر من الكذب عليه ، ومن رواية المكذوب ، وعن الكاذب ، مبينا أن هذا النوع من الكذب ليس كأي كذب ، وإنما هو كذب في دين الله ، إثمه أعظم والعقوبة عليه أشد .
أخرج الإمام مسلم (1/51ـ 59) عن سمرة بن جندب ، وعن المغيرة بن شعبة ، قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حدث عني بحديث يرى أنه كذب ؛ فهو أحد الكاذبين " روى بفتح الباء الموحدة وبكسرها .
وعن علي رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تكذبوا على ، فإنه من يكذب علي يلج النار" .
وعن أنس أنه قال : إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من تعمد على كذبا ؛ فليتبوأ مقعده من النار".
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كذب على متعمدا ؛ فلتبوأ مقعده من النار" .
وعن المغيرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن كذبا على ليس ككذب على أحد ، فمن كذب علي متعمدا ، فلتيبوأ مقعده من النار".
وبين القرآن الكريم أن الخبر المقبول إنما هو خبر العدل ، أما خبر الفاسق فلا ، قال سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ... } الآية ، وقال : { وأشهدوا ذوي عدل منكم } ، فدلت الآية الأولى على وجوب التبيين والكشف عن خبر الفاسق ، ودلت الثانية على الاعتماد على خبر العدل ، وهي وإن كانت في الشهادة ، فالخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه ، فإنهما يجمعان في أعظم معانيهما . " راجع مقدمة صحيح الإمام مسلم " .
ومن هذين ـ الحث على السماع ، والإسماع ، والرواية عن العدول فقط ، كان علم الإسناد ، واهتمت به الأمة اهتماما منقطع النظير ؛ لإدراكها أنه أساس حفظ هذا الدين .
قال عبد الله بن المبارك : ( الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ) ، وقال : ( بيننا وبين القوم القوائم ) يعني : الإسناد . " مقدمة مسلم".
وقال محمد بن سيرين : ( إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذونه). "مسلم والكفاية ص 196" .
وقال الضحاك بن مزاحم : ( إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذونه ). " كفاية ص 196".
وقال طاووس : ( إن كان صاحبك مليا ـ أي يعتمد عليه بأن يكون عدلا ضابطا ـ فخذ عنه ) ." مقدمة مسلم".
وقال مالك : ( اتق الله ، وانظر ممن تأخذ هذا الشأن ) . " كفاية ص 196".
وقال القاضي أبو بكر بن العربي المعافري : ( والله أكرم هذه الأمة بالإسناد ، لم يعطه أحدا غيرها ، فاحذروا أن تسلكوا مسلك اليهود والنصارى ، فتحدثوا بغير إسناد ، فتكونوا سالبين نعمة الله عن أنفسكم ، مطرقين للتهمة إليكم ، وخافضين لمنزلتكم ، ومشتركين مع قوم لعنهم الله وغضب عليهم ، وراكبين لسنتهم".
.................................
المراجع والحواشي السفلية
1ـ أخرجه ابن حبان وأبو داود وأحمد عن ابن عباس .
2ـ أخرجه البخاري والترمذي وأحمد عن عبد الله بن عمرو
3ـ أخرجه ابن حبان والترمذي وأبو داود وأحمد عن زيد بن ثابت .
4ـ أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة .
5ـ أخرجه مسلم عن ابن عباس
=======================
من كتاب :علم الجرح والتعدبل ( قواعده وأئمته )