ما تثبت به العدالة
تثبت العدالة بأحد أمور :
1ـ الشهادة بها : -
فمن شهد له بالعدالة فهو عدل ، إلا أنه اختلف في عدد الشاهد ؛ فذهب بعض العلماء إلى أنه يجب أن يكون اثنين فأكثر ، فمن شهد له عدلان فأكثر بأنه عدل ثبتت عدالته وذلك قياسا على الشهادة على حقوق الآدميين ، إذ هي لا تثبت بأقل من عدلين . وجمهور العلماء على أنه يكفي في إثبات عدالة الراوي شهادة عدل واحد بها ، قالوا : حيث إنه يقبل خبره فيجب أن تقبل تزكيته ، بل هي من باب أولى ، إذ أن الصفة تثبت بأقل مما يثبت به الحكم ، كما يثبت الإحصان بشهادة اثنين ، ولا يثبت الرجم إلا بشهادة أربع ، فإذا اشترطنا أكثر من واحد في التزكية في حين أننا نقبل خبر الواحد ، فإنا نكون قد أثبتنا الصفة بأعلى مما يثبت به الحكم ، وهذا عكس المتفق عليه ، إذ المتفق عليه أن الذي تثبت به الصفة التي بثبوتها يثبت الحكم أنقص في الرتبة من الذي يثبت به الحكم . وآخر نقلي ؛ وهو قبول عمر بن الخطاب تزكية الواحد ، إذ قبل في تزكية سنين أبي جميلة قول عريفه ، وهو واحد.
أخرج الخطيب ( كفاية 161) بسنده عن سنين قال : "وجدت منبوذًا على عهد عمر بن الخطاب فذكر عريفي لعمر فأرسل فدعاني والعريف عنده ، فلما رآني مقبلاً قال : " عسى الغوير أبؤسا" (1) قال العريف له : يا أمير المؤمنين ! إنه ليس بمتهم ، قال : على ما أخذت هذا ؟ قال : وجدت نفسًا مضيعة فأحببت أن يأجرني الله فيها . قال : ( هو حرٌ ، وولاؤه لك وعلينا رضاعه )" .
قال الخطيب ( ص 161) : ( والذي نستحبه أن يكون من يزكي المحدث اثنين للاحتياط . فإن اقتصر على تزكية واحد أجزأ ) .
وإذا كان تعديل الواحد كاف ، فهل هو يشمل تعديل المرأة والعبد ؟ خلاف بين العلماء .
حكم تعديل المرأة :-
اختلف في تعديل المرأة على عدة أوجه :
1ـ فأكثر العلماء من أهل المدينة وغيرهم على أنه لا يقبل في التعديل النساء ، لا في الرواية ، ولا في الشهادة .
2ـ وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى أنه تقبل تزكية المرأة في الرواية والشهادة ، لا تزكيتها في الحكم ، الذي لا تقبل شهادتها فيه .
3ـ وذهب الفخر الرازي وغيره إلى قبول تزكيتها مطلقا ، مستدلين بتزكية بريرة للسيدة عائشة ، وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما في قصة الإفك.
حكم تعديل العبد : -
اختلف في هذا :
1ـ ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى أنه يجب قبول تزكيته في الخبر دون الشهادة ؛ لأن خبره مقبول وتزكيته مردودة .
2ـ وذهب الفخر الرازي وغيره إلى قبول تزكيته في الخبر وفي الشهادة .
3ـ هذا والذي عليه المعول أن عدالة الراوي تثبت بتزكية عدل واحد له ، حرا كان أو عبدا ، ذكرا أو امرأة ؛ لأنه إن كان ينقل هذه التزكية فهي خبر ، والخبر يقبل عن الواحد ، وإن كان باجتهاد منه فهو حكم ولا يشترط في الحاكم تعدد.
بيد أنه يشترط في هذا العدل الذي يزكي الراوي شروط سوف نعرض لها بعد قليل إن شاء الله ، فتجب مراعاتها فقد يكون عدلا لكن لا خبرة له بالرجال ، فمثل هذا لا تقبل تزكيته.
ومما يجدر التنبيه إليه أنه وإن كانت عدالة الراوي تثبت بتزكية عدلٍ ـ أو عدلين ـ فإنها لا تثبت برواية عدل ـ أو عدلين ـ عنه وما روى عن قوم بصحة ذلك فهو مردود.
قال الخطيب : ( احتج من زعم أن رواية العدل عن غيره تعديل له بأن العدل لو كان يعلم فيه جرحا لذكره ، وهذا باطل ؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته فلا تكون روايته عنه تعديلا ولا خبرا عن صدقه ، بل يروي عنه لأغراض يقصدها ، كيف وقد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنها غير مرضية ، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب في الرواية وبفساد الآراء والمذاهب ) ، وسرد لكل ذلك أمثلة.
" راجع الكافية ص 150 ـ 154".
2ـ الاستفاضة والشهرة بالعدالة بين أهل العلم :
فمن اشتهرت عدالته ، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة بين أهل العلم ، فإنه لا يحتاج إلى بينة شاهدة بعدالته تنصيصا ، بل عدالته تثبت بذلك ، وهو فوق من تثبت عدالته بتزكية عدل أو عدلين.
ولقد عقد الخطيب في الكفاية ص 147 ( باب في المحدث المشهور بالعدالة والثقة والأمانة لا يحتاج إلى تزكية المعدل ) ذكر فيه أن مثل مالك بن أنس ، والسفيانين ـ الثوري وابن عيينة ـ وأحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر ، والاشتهار بالصدق والبصيرة والفهم ، لا يسأل عن عدالتهم ، وإنما يسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين ، أو أشكل أمره على الطالبين .
وذكر عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني قوله : ( والشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية متى لم يكونا مشهوري العدالة والرضا ، وكان أمرهما ملتبسا ، ومجوزا فيه العدالة وغيرها ، والدليل على ذلك أن العلم بظهور سترهما ، واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة في تعديله وأغراض داعية لهما إلى وصفه بغير صفته ، وبالرجوع إلى النفوس يعلم أن ظهور ذلك من حاله أقوى في النفس من تزكية المعدل لهما ) . اهـ
وهذا مذهب شائع بين الأئمة قديما ، يدل على ذلك ما روى أن أحمد بن حنبل سئل عن إسحاق بن راهويه ، فقال : ( مثل إسحاق يسأل عنه ؟ إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين )..
وكذا يحيى بن معين ، فلقد سئل عن أبي عبيد ، فقال : ( مثلي يسأل عن أبي عبيد ؟ أبو عبيد يسأل عن الناس ) ـ وأبو عبيد هو القاسم بن سلام صاحب التصانيف النافعة ، توفى سنة أربع وعشرين ومائتين .
3ـ العناية بطلب الحديث :
قال ابن عبد البر : كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه .
واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" (2).
فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث ، وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن ، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تبيينا ولا اتفق لهم علم بأن أحدا وثقه ، فهو مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح .
وقال بهذا أيضا مع ابن عبد البر جماعة ، منهم السابق ، واللاحق ، بيد أن ابن عبد البر هو الذي أشهره وأشاعه ، فلذا نسب إليه ، من هؤلاء : إسماعيل بن إسحاق القاضي ، والمزي ، وابن الجزري ، وابن المواق ، وابن سيد الناس ، والذهبي ، ومنهم أيضا النووي ، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ كلامه .
ويستأنس لهذا بما جاء بسند جيد أن عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ كتب إلى أبي موسى رضى الله عنه : ( المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد ، أو مجربا عليه شهادة زور ، أو ظنينا في ولاء أو نسب ).
وأيضًا ما رُوىَ عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر : ( لا يؤخذ العلم إلا عمن شهد له بطلب الحديث ) (3) قال أبو زرعة : ( فسمعت أبا مسهر يقول : إلا جليس العالم ، فإن ذلك طلبه ).
قال الخطيب : ( أراد أبو مسهر بهذا القول أن من عرفت مجالسته للعلماء ، وأخذه عنهم أغنى ظهور ذلك من أمره أن يسأل عن حاله ) .
وأيضًا ما رُوِى عن عبد الله بن عون : ( لا نأخذ هذا العلم إلا عمن شهد له عندنا بالطلب ) .
إلا أنه لم يجمع على هذا الأمر ـ ثبوت العدالة بالعناية بالطلب ـ فقد خالف القائلين بذلك جمع من الأئمة منهم ابن الصلاح ، إذ قال ـ بعد أن ذكر هذا الرأي عازيه إلى ابن عبد البر وحده ـ : ( وفيما قاله اتساع غير مرضي ) .
وأجاب رافضوا هذا الرأي على حديث : " يحمل هذا العلم . . . الحديث " ، بأنه من كل طرقه ضعيف ، وعلى فرض أنه يصح الاستدلال به ، فإنما يصح الاستدلال به لو كان خبرا ، ولا يصح حمله على الخبر ، لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة ، فلم يبق له محمل إلا على الأمر ، ومعناه أنه أمر الثقات بحمل العلم ؛ لأن العلم إنما يقبل عن الثقات ، ويؤيد هذا ما جاء في إحدى طرقه عند ابن أبي حاتم " ليحمل " بلام الأمر.
وأجاب القائلون بهذا الرأي بأن الفساق إذا عرفوا شيئا من العلم ، فليس هذا بعلم حقيقة.
قال النووي ـ تهذيب الأسماء واللغات 1/1/17 ـ في الحديث عن فضل تابعي التابعين ومن بعدهم : ( وجعلهم ـ أي النبي صلى الله عليه وسلم ـ عدولا فأمرهم بالتبليغ عنه فقال صلى الله عليه وسلم : " ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ، وفي الحديث الآخر : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " ، وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بصيانة العلم وحفظه ، وعدالة ناقليه ، وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفا من العدول يحملونه ، وينفون عنه التحريف وما بعده فلا يضيع ، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر ، وهكذا وقع ولله الحمد ، وهذا من أعلام النبوة ، ولا يضر مع هذا كون بعض الفساق يعرف شيئا من العلم ، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه ، لا أن غيرهم لا يعرف شيئا منه ـ والله أعلم ) . اهـ
وإني لأسلم لابن عبد البر ومن معه في هذا الرأي إذ جعلوا الشهرة بطلب الحديث مرجحا لأحد الجانبين ، فكل راو يجوز أن يكون عدلا ، وأن يكون مجروحا ، فحيث لم يظهر فيه جرح ، ولم يوجد من يوثقه ، فإن شهرته بالطلب تجعل جانب التوثيق راجحًا ، فنحكم بعدالته ، حتى يظهر فيه جرح ، فإذا لم يظهر جرح فهو عدل ، وهذا معنى كلام ابن عبد البر : ( كل حامل علم معروف العناية به ، فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة ، حتى يتبين جرحه ) ، ولقد قال بذلك ابن حجر كما سيتضح في العنصر الرابع.
4ـ رواية الجلة عنه :
ذهب بعض الأئمة إلى أن مما تثبت به عدالة الراوي رواية جماعة من الجلة عنه ، قال بذلك البزار ، وابن القطان ، والذهبي ، وابن حبان ، بل ادعى الذهبي أنه رأى الجمهور ، فلقد سار البزار في مسنده على هذه الطريق ، وجنح ابن القطان إليها ، أما الذهبي فقال ـ في الميزان ـ في ترجمة مالك ابن الخير ـ بالمثناة ـ الزبادي ـ بالموحدة ـ وقد نقل عن ابن القطان أنه ممن لم تثبت عدالته ، قال : ( يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة ) ، ثم قال : ( وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم ، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ، ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح).
وتعقبه ابن حجر بقوله : ( ما نسبه للجمهور لم يصرح به أحد من أئمة النقاد إلا ابن حبان ، نعم هو حق فيمن كان مشهورا بطلب الحديث والانتساب إليه).
والناظر يجد أن ابن حجر يرى ثبوت عدالة الشيخ إذا كان مشهورا بالطلب ، وروى الجلة عنه . فكأنه جمع سببي العدالة ـ السابق وما هنا ـ في سبب واحد ، أما كلام النووي ـ السابق ـ ، والذهبي ـ هنا ـ فيفيدان أن السببين كل منهما مستقل ، يفيد العدالة وحده ، وبينهما فارق ، فتثبت عدالة الراوي بالشهرة بالطلب ، وتثبت أيضا برواية الجلة عنه .
ويظهر لنا ـ والله أعلم ـ أنهما سببان مستقلان ، كل منهما يفيد العدالة ـ والله أعلم .
.................................
المراجع والحواشي السفلية
1- هذا مثل قديم يقال عند التهمة ، وأصل هذا المثل أنه كان غار فيه ناس فانهار عليهم وأتاهم فيه عدو فقتلهم فصار مثلا لكل شئ يخاف أن يأتي منه شر ، وأراد عمر بالمثل : لعلك زنيت بأمه وادعيته لقيطا فلما شهد له بالستر تركه ـ والغوير ـ بضم وفتح ـ راجع النهاية في غريب الحديث ج3 ، -صلى الله عليه وسلم- 394 ، 395 ففيها مزيد من هذا .
2ـ والحديث أخرجه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل ، وابن عدي في مقدمة الكامل من عدة طرق وفيه اختلاف بين الأئمة شديد فمن مصحح له إلى حاكم بالوضع . راجع مقدمة الكامل في الضعفاء لابن عدي -صلى الله عليه وسلم- 190 ، 232 ، وفتح المغيث للسخاوي 1/275 ، وفتح المغيث للعراقي 2/6، والتقييد والإيضاح -صلى الله عليه وسلم- 138 ، 139.
3- راجع الكفاية -صلى الله عليه وسلم- 149 ، ومقدمة الكامل لابن عدي -ص 242.
=======================
من كتاب : علم الجرح والتعدبل ( قواعده وأئمته )