تفسير العدالة
تقدَّم أن ممَّا تثبت به العدالة شهادة عدل بها ، فهل تكفي شهادته أن هذا الراوي عدلٌ فقط؟ أم لابدَّ أن يفسر العدالة أي يذكر سببها ؟
ذهب بعض الأئمة إلى أنه لابد من ذكر سبب العدالة ، وذلك لأمرين :
الأول :أنه قد يزكَّي بناء على أمر لا يصح سببًا للعدالة ، كما قيل لأحمد بن يونس : عبد الله العمري ضعيف ، فقال : إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه ، ولو رأيت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أنه ثقة . فاحتج أحمد بن يونس على أن عبد الله العمري ثقة بما ليس حجة ؛ لأن حسن الهيأة مما يشترك فيه العدل والمجروح.
الثاني :أن أسباب العدالة مما يكثر التَّصنع فيها ، فيتسارع الناس إلى الثناء على الظاهر ، فهذا الإمام مالك مع شدة نقله وتحريه قيل له في الرواية عن عبد الكريم بن أبي المخارق ، فقال : ( غرني بكثرة جلوسه في المسجد) ، يعني لما ورد من كونه بيت كل تقي.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب ذكر سبب العدالة ، بل يقبل على الجملة تعديل المزكي، وذلك لأمرين :
الأول : إجماع الأمة على أنه لا يرجع في التعديل إلا إلى قول عدل ، رضا ، عارف بما يصير به العدل عدلا والمجروح مجروحا ، فلو أوجبنا مطالبته بذكر سبب العدالة لكان ذلك قدحا في معرفته بأحوال المزكي وما به تحصل العدالة وما به يحصل الجرح .
الثاني :أن أسباب العدالة كثيرة متعددة ، فإذا أوجبنا ذكر سبب العدالة كان على المزكي أن يذكر لنا كل ما يفعله الراوي ، مما يوافق الشرع ، وكل ما يتركه الراوي مما يخالف الشرع ، وفي ذلك ما فيه . وهذا الرأي هو الذي أميل إليه ، فإن دليلي الفريق الأول يزولا حينما تتوافر في المزكي الشروط التي اعتبرها الأئمة كي يقبلوا شهادته وتزكيته ، ولسوف نذكرها لك إن شاء الله تعالى . وهذا الرأي أيضا هو الذي قال به الخطيب ، إذ قال: ( وقال قوم : لا يجب ذكر سبب العدالة ، بل يقبل على الجملة تعديل المخبر والشاهد ، وهذا القول أولى بالصواب عندنا ) .
شروط المعدل
اشترط الأئمة شروطا في المزكي بحيث إذا وجدت قبلوا قوله في الرجال ، وإلا فلا ، وهذه الشروط هي :
1ـ أن يكون عدلا ، أي : مسلما ، بالغا ، عاقلا ، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروء ة.
2ـ أن يكون له شديد اعتناء بالطلب ، والفحص عن أحوال الرجال.
3ـ أن يكون عالما بالأسباب التي تجعل الراوي عدلا والتي تجعله مجروحا ، ولا يحكم إلا بعد تثبته من وجودها فيمن زكاه .
4ـ أن لا يكون متعصبا لمن عدله أو متعصبا ضده ، فيعدل أو يجرح لعصبية عقدية أو مذهبية أو إقليمية .
وهذه طائفة من أقوال الأئمة تبين لك ما استنبطناه من شروط :
ـ قال التاج السبكي :
( من لا يكون عالما بأسبابهما ـ أي : الجرح والتعديل ـ لا يقبلان منه ، لا بإطلاقه ولا بتقييد.
ـ وقال الحافظ ابن حجر :
( تقبل التزكية من عارف بأسبابها ، لا من غير عارف) .
ـ وقال الخطيب :
( ما يعرف به صحة المحدث العدل الذي يلزم خبره ـ يعني ما تعرف به عدالة الراوي ـ على ضربين : فضرب منه يشترك في معرفته الخاصة والعامة ، وهو : الصحة في بيعه وشرائه وأمانته ، ورد الودائع ، وإقامة الفرائض ، وتجنب المآثم ، فهذا ونحوه اشترك الناس في علمه ، والضرب الآخر هو : العلم بما يجب كونه عليه من الضبط والتيقظ ، والمعرفة بأداء الحديث وشرائطه ، والتحرز من أن يدخل عليه ما لم يسمعه ، ووجوه التحرز في الرواية ، ونحو ذلك مما لا يعرفه إلا أهل العلم بهذا الشأن ، فلا يجوز الرجوع فيه إلى قول العامة ، بل التعويل فيه على مذاهب النقاد للرجال ).
[size=20]ـوقال الحافظ الذهبي :
( ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب ، والفحص عن هذا الشأن ، وكثرة المذاكرة ، والسهر ، والتيقظ ، والفهم ، مع التقوى ، والدين المتين ، والإنصاف ، والتردد إلى مجالس العلماء ، والتحري ، والإتقان ، وإلا تفعل :
فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد
قال الله تعالى عز وجل : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فإن آنست يا هذا من نفسك فهما وصدقا ودينا وورعا ، وإلا فلا تتعن ، وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب ، فبالله لا تتعب ، وإن عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله ؛ فأرحنا منك ، فبعد قليل ينكشف البهرج وينكب الزغل ، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ، فقد نصحتك ) . اهـ " تذكرة1/4".
[/size]
( راجع : الكفاية ص 165).
=======================
من كتاب : علم الجرح والتعدبل ( قواعده وأئمته )