$IMAGE1$
[c]$IMAGE1$
الحمد رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
أشكر لكم حضوركم، وأشكر للقائمين على هذه الندوة دعوتهم الكريمة، وأرجو الله عز وجل أن أكون عند حسن ظنكم.
بادئة ذي بدء من مسلمات العقيدة أن علة وجود الإنسان على وجه الأرض العبادة لقوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
( سورة الذاريات الآية: 56 )
علة وجود الإنسان على سطح الأرض أن يعبد الله، والعبادة أيها الأخوة: طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، في هذا التعريف جانب معرفي وجانب سلوكي وجانب جمالي، فمن تحرك على هذه الخطوط الثلاثة تفوق ومن ركز على واحد منها تطرف، في العبادة جانب معرفي وجانب سلوكي وجانب جمالي الجانب السلوكي هو الأصل:
((تعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن ينفعكم اللّه حتى تعملوا بما تعلمون.))
[ أخرجه ابن عدي في الكامل والخطيب في التاريخ عن معاذ وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
((وكل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا من عمل به.))
[ أخرجه الطبراني في الكبير عن واثلة ]
والعلم حجة لك لا عليك.
وعالم بعلمه لم يعملن معذَّبٌ من قبل عُبَّادِ الوثن
***
الأصل هو الالتزام، والإسلام من دون التزام، من دون تطبيق منهجه الكامل والشامل ظاهرة صوتيه ليس غير، ظاهرة صوتيه لا تصنع شيئاً، ولا تفعل شيئاً، ولا ترد خطراً، ولا تحقق عزة، ولا كرامة، لكن المسلمون فيما يبدو اكتفوا من الإسلام بالعبادات الشعائرية، وظنوها هي الإسلام مع أن في الإسلام عبادات تعاملية لا نقطف ثمار العبادات الشعائرية إلا إذا صحت العبادات التعاملية، فلذلك أيها الأخوة الكرام في تعريف العبادة جانب سلوكي هو الأصل سببه الجانب المعرفي، نتيجته الجانب الجمالي، فالمؤمن يعني أنه في مرتبة علمية، حقيقية، لأن المؤمن عرف الحقيقة الكبرى في الكون، واسجمم معها وتوازن مع نفسه والمؤمن مرتبة تعني مستوى أخلاقي فالمؤمن تحكمه منظومة من القيم الأخلاقية، الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن، ليس الفرق بين المؤمن وغير المؤمن في هذه العبادات، فرق كبير وجوهري، فرق في المعاملات.
النجاشي سأل سيدنا جعفر عن الإسلام قال أيها الملك: كنا قوم جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الرحم ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه فدعان إلى عبادة الله عز وجل وألا نشرك به شيئاً وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، هذا هو الإسلام منهج أخلاقي، يبنى على دعائم عبادة شعائرية، بني الإسلام على خمس، فحينما اكتف المسلمون بهذه الخمس، وتعاملوا في حياتهم اليومية في سفره، في حضرهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في كسب أموالهم، في حرفهم، في تجاراتهم، تعاملوا وفق منهج الغرب ضيعوا حضارتهم وضيعوا إسلامهم ولم يلحقوا بالغرب، فلذلك أيها الأخوة الجانب الجمالي هو الثمرة في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب.
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾
( سورة محمد الآية: 5 ـ 6 )
عرفوها في الدنيا هي جنة القرب، ماذا يفعل أعداء بي يقول بعض العلماء: بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة فماذا يفعل أعدائي بي، إذاً في التعريف جانب معرفي لا بد من طلب العلم، طلب العلم هي الحاجة العليا في الإنسان، هي الحاجة التي تؤكد إنسانيته، وفي التعريف جانب سلوكي هو الالتزام، من دون هذا الالتزام ـ دققوا ـ لسنا على شيء حتى نقيم القرآن الكريم وسنة النبي الشريف، لسنا على شيء، وجانب جمالي المؤمن في سعادة لا توصف، ملك من الملوك ترك الملك وطلب العلم فقال: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلون عليها بالسيوف، هو هذا يصدق لأنه كان ملك، لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلون عليها بالسيوف.
فلو شاهدت عيناك من حــننا الذي رآوه لما وليت عنا لغيرنـا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضــح قتيلاً بحبنـا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة لمت غريباً واشــــتياق لقربـا
***
في جانب معرفي وجانب سلوكي وجانب جمالي، ولكن ألح على فكرة دقيقة جداً هي محور هذه المحاضرة، الصيام من العبادات الشعائرية، والحج من العبادات الشعائرية، والصلاة من العبادات الشعائرية والعبادات الشعائرية لن نقطف ثمارها إلا إذا صحت عباداتنا التعاملية طالبوني بالدليل، لا يجرؤ إنسان في العالم الإسلامي أن يقول في الدين برأيه، طالبوني بالدليل:
نبدأ بالصلاة...
((أَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مَنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، بِيضاً. فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً. قَالَ ثُوْبانُ: يَا رَسُولَ اللهِ ! صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَنَعْلَمُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتَكُمْ. وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ، إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ أنْتَهَكُوهَا.))
[ أخرجه ابن ماجه عن ثوبان ]
ما قيمة صلاتهم إذاً، سقطت قيمة الصلاة لأنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.
نأتي إلى الصيام...
((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ))
[ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]
المسلم في رمضان يدع المباحات، يدع الطعام وهو مباح في الأصل، يدع أهله هم مباحون له في الأصل، فلأن يدع المحرمات من باب أولى، فكيف يوازن مسلم يدع الطعام والشراب ويغتاب وينم ويطلق بصره ويمضي رمضان كمناسبات اجتماعية، سهرات ولقاءات ومسلسلات وحفلات وسهر حتى قبيل الفجر، وهو يظن أنه يحسن صنع.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾
( سورة الكهف الآية: 103 ـ 104 )
نأتي إلى الحج... إنسان حج بمال حرام فلما وضع رجله في الركاب وقال لبيك اللهم لبيك ناده منادي أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك، ماذا بقي ؟
بقي النطق بالشهادة...
((من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة قيل: وما إخلاصها ؟ قال تحجزه عما حرم الله.))
[ أخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم في معجمه الكبير والأوسط بإسناد حسن ]
فمن نطق بلا إله إلا الله ولم تحجزه عن محارم الله ما استفاد منها شيئاً، لذلك المسلمون في العيد يقولون الله أكبر، يكبرون وهذا من السنة ولكن هذا الذي يغش المسلمين ماذا رأى ؟ رأى أن هذا المال الذي يأتيه من غش المسلمين أكبر عنده من طاعة الله، إذاً هذا الذي قال الله أكبر وهو يغش المسلمين ما قالها ولا مرة ولو نطق بها ألف مرة، وهذا الذي يطيع زوجته ويعصي ربه وقال الله أكبر في العيد ما قالها ولا مرة لأنه رأى طاعة زوجته أكبر من طاعة الله عز وجل، امرأة طلبت من بعض الصحابة شيئاً لعله فوق طاقته وألحت عليه قال: اعلمِ أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت أحداهن على الأرض لغلب نور وجها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك.
أم سيدنا سعد حملته على أن يكفر، قالت له إما أن تكفر بمحمد وإما أن أدع الطعام حتى أموت، قال: يا أمي لو أن لك مئة نفس خرجت واحدة واحدة ما أكفرت بمحمد فكلي إن شئت أو لا تأكلي، بعدين أكلت.
المشكلة أيها الأخوة أن واقع المسلمين ليس إسلامياً، أما شعائرهم راقية، والله مساجد زرت مسجد في المغرب مكلف مليار دولار، مكلف مساجد، مؤتمرات، قاعات محاضرات، أشرطة، كتب، لكن الإسلام ليس في بيوتنا، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
( سورة الأنفال الآية: 33 )
العلماء حاروا في هذه الآية، النبي انتقل إلى رحمة الله، قال العلماء: ما دامت سنة نبينا صلى الله عليه وسلم في بيوتنا، في أفراحنا في اتراحنا، في أموالنا، في تجارتنا، في سفرنا، نحن في أمن من عذاب الله، لو أنه زلت أقدامنا واستغفرنا في أمن أيضاً.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾
( سورة الأنفال الآية: 33 )
أنت في أمن مرتين، أنت في بحبوحة مرتين، أنت في رعاية الله مرتين، مرة إذا كنت مطيعاً لله ومرة إذا استغفرت الله من ذنب أذنبت به إذاً هذه النطق بالشهادة هكذا بقي الزكاة.
الزكاة... دققوا:
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾
( سورة التوبة الآية: 53 )
يجب أن نضيف لإنفاق الالتزام، الطاعة، من السهل أن تنفق ولست ملتزماً، حقك محفوظ عند الله، يعني مر معي نص في الأثر: ما أحسن عبد ـ مسلم أو كافر ـ إلا وقع أجره على الله في الدنيا أم في الآخرة أبداً، إن عملت عملاً طيباً من أجل الدنيا نلت جزاءه في الدنيا.
﴿وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)﴾
( سورة البقرة الآية: 200 )
ما أحسن عبد من مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة.
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾
( سورة النساء الآية: 77 )
الفتيل خيط في نواة التمرة.
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾
( سورة النساء الآية: 124 )
رأس مؤلف من نواة كالإبرة النقير.
﴿مِنْ قِطْمِيرٍ (13)﴾
( سورة فاطر الآية: 13 )
غشاء رقيق للنواة.
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾
( سورة الأنبياء الآية: 47 )
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
( سورة الزلزلة الآية: 7 ـ 8 )
إذاً هذه العبادات الشعائرية، من صلاة وصيام وحج وزكاة ونطق بالشهادة، بالأدلة الصحيحة من السنة، لن نقطف ثمارها إلا إذا صحت عبادات التعاملية، أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع من حولنا، ومع من دوننا، ومع من فوقنا، أما إذا كانت حياتنا كلها كذب بكذب، كلها نفاق بنفاق، كلها دجل بدجل، أن لنا أن نكون مع الله، لذلك معية الله نوعان معية عامة ومعية خاصة، المعية العامة وقال الله:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
بعلمه، لكن المعية الخاصة. إن الله مع المؤمنين، إن الله مع الصادقين، معية التوفيق والتأنيب والنصر والحفظ، هذه المعية لها ثمن وقال الله:
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
( سورة المائدة الآية: 12 )
هذه أدلة خاصة مرتفقة بكل عبادة، ما الأدلة العامة التي تشمل كل العبادات ؟.
((عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: " أَتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ ؟ " قالُوا المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمّ طُرِحَ في النّارِ ))
[ أخرجه الترمذي ]
ما استفاد من شيء، أت بصلاة وصيام وصدقة وطرح في النار.
((عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله إن فلانة، فذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: "هي في النار".))
[ أخرجه أحمد والبزار ]
((عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النار، قال الله: لا أنت أطعمتيها ولا سقيتها حين حبستيها ولا أنت أرسلتيها فأكلت من خشاش الأرض.))
[ أخرجه أحمد عن ابن عمر ]
إذاً: المؤمن صادق، إن حدثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين لا يخونك، وإذا استثيرت شهوته فهو عفيف، هذه أركان الاستقامة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)﴾
( سورة فصلت الآية: 30 ـ 32 )
أيها الأخوة الكرام:
بالمناسبة يعني زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، ألم يقل الله عز وجل:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
أين الاستخلاف ؟.
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
قانون.
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾
أين التمكين ؟.
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
أين التطمين ؟. والله في الواقع لا تمكين ولا استخلاف ولا تطمين التفسير قال:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾
( سورة مريم الآية: 59 )
ولقد لقي المسلمون ذلك الغي وأنتم تسمعون وترون كيف يلقى المسلمون الغي لأنهم أضاعوا الصلاة، وليست إضاعة الصلاة تركها ولكن إضاعة الصلاة تفريغها من مضمونها.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾
( سورة طه الآية: 14 )
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 45 )
فإن لم تنهِ عن الفحشاء والمنكر لن تقطف ثمارها.
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)﴾
( سورة العلق الآية: 19 )
الصلاة قرب، الصلاة ذكر.
((ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا يتغير حالها.))
[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب]
أخونا الكرام:
كاستنباط أولي من هذه الآية، ما دام ربنا يقول:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾
بالمفهوم المخالف لو أننا أتقنا الصلاة وتركنا كل شهوة لا ترضي الله هذا طريق النصر، نحن مع كتاب الله.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
( سورة الشعراء الآية: 88 ـ 89 )
ما القلب السليم ؛ القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله، وسلم من تطبيق خبرٍ يتناقض مع وحي الله، وسلم من عبادة غير الله، وسلم من تحكيم شرع غير الله هذا هو القلب السليم، الآية الثانية دقيقة.
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
الدين الذي وعدهم أن يمكنه لهم مقيد بصفة.
﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾
أي دين ؟
﴿ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾
طيب بالاستنباط المنطقي فإن لم يمكنهم معنى ذلك أن دينهم لم يرتضيه لهم، إذاً كحل واقعي فيما نحن فيه فالنبحث عن الدين الذي يرتضيه الله لنا، عن دين الاستقامة، عن دين الورع عن دين الحب، عن دين الإخلاص، هذا الدين هو الذي يرتضيه لنا وهو بالتالي يمكنه لنا، ارتضاه فمكنه فإن لم يرتضيه لا يمكن ديننا في الأرض، شيئاً ثلاث، يقول الله عز وجل:
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾
( سورة إبراهيم الآية: 46 )
﴿ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
خالق السماوات والأرض يصف مكر الكفار بأنه مكر تزول منه الجبال، ونحن ضعاف، ماذا نفعل ؟ والله في القرآن آية، لكن المسلمين لو صدقوا، وأنا أقول كلمة قاسية هم يصدقون كلام الله تصديقاً شكلياً، أما لو علموا أن خلاصهم وعزتهم وكرامتهم وانتصارهم ورفعة شأنهم في هذه الآية لبادروا إلى تطبيقها، قبل قليل قال الله عز وجل:
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
يقول في آية ثانية:
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 120 )
تلاشت خططهم وسقطت مؤامراتهم وضعفت أسلحتهم وضعف شأنهم.
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾
أنا كما أقول زوال الكون أهون على الله من أن تعطل آية، لا يعقل أن يقول الله كلاماً لا معنى له، لا يعقل أن يقول الله كلام لا يعنيه، لا يعقل أن يقول الله كلام لا يحقق، هذا كتاب الله.
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾
أيها الأخوة الكرام:
يعني أنا لا أصدق أن في القرآن الكريم قصص وقعت ولم تقع مرة ثانية، يعني كتاب تاريخ صار، لا، هو كتاب هداية، فإذا كان فيه بعض القصص، هذه القصص نماذج متكررة، فمثلاً قال الله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾
( سورة الفجر الآية: 6 ـ 8 )
الحديث عن قوم عاد:
﴿ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾
يعني تفوق في كل المجالات، جيد، كلما أهلك الله قوم ذكرهم بأنه أهلك من هو أشد منهم قوة إلا عاد قال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
ماذا يعني ذلك ؟ أنه ليس بينها وبين الله أحد، ليس فوقها إلا الله بلغت قمة القوة وسيطرت والكبر.
﴿ اْلِّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾
ومع هذا التفوق كبر لا يحتمل.
﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
مع هذا التفوق في شتى الميادين كبر لا يحتمل.
﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾
ومع هذا التفوق وذاك الكبر، تفوق في العمران.
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾
( سورة الشعراء الآية: 128 ـ 129 )
مع التفوق في كل المجالات، ومع الكبر الذي لا يحتمل، ومع التفوق في العمران تفوق في القوة العسكرية.
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾
( سورة الشعراء الآية: 130 )
لا ترحمون أحد، هي الصفة الرابعة، ومع التفوق في كل المجالات، ومع الكبر الذي لا يحتمل، ومع التفوق في العمران، ومع التفوق في القوة العسكرية، تفوق علمي.
﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)﴾
( سورة العنكبوت الآية: 38 )
ماذا فعلوا ؟ قال:
﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)﴾
( سورة الفجر الآية: 11 )
قتلوا، ضربوا، أهانوا، أذلوا، سلبوا، نهبوا، طغوا في البلاد.
﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾
( سورة الفجر الآية: 11 ـ 12 )
أشاعوا التفلت الإباحية.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾
( سورة الفجر الآية: 13 ـ 14 )
﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)﴾
( سورة الحاقة الآية: 5 ـ 7 )
كل هذا الكلام يستنبط من آية أخرى.
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50)﴾
( سورة النجم الآية: 50 )
أولى معناها في وحده ثانية، تشبهها، أليس كذلك ؟ هناك عاد ثانية تشبهها تماماً وإن شاء الله مصيرها كمصير الأولى، القرآن في نماذج نماذج ثابت متكررة، طبعاً أخوانا التجار إذا قال لك أحد الأشخاص هذه الدفعة الأولى هو ينتظر دفعة ثانية، ما دامت قلت الأولى.
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
( سورة الأحزاب الآية: 33 )
معناها في جاهلية ثانية أمر وأدهى، هكذا القرآن.
﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ﴾
وعاد الأولى هذه صفاتها، تفوق كبر حضارة عمرانية ضخمة جداً هذا البناء الذي دمر يستهلك في اليوم ثلاثة ملايين دولار كهرباء يومياً من معالم الحضارة الحديثة، نعم.
أيها الأخوة الكرام:
ولكن الإنسان أحياناً يؤخذ بالعاطفة وهذا شأن العالم الإسلامي يفور ثم يصاب بخيبة أمل، لو كان متوازن في البداية لتوازن في النهاية، إن لم يتوازن في البداية لم يتوازن في النهاية، نحن في دار عمل ولسنا في دار جزاء، قد تهزم وأنت الرابح، وقد تنتصر وأنت الخاسر الدليل، ما مقياس التفوق في الإسلام قال:
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 185 )
هذا كلام الله، أنا قد أحصل مالاً وفيراً، قد أكون أقوى الأقوياء وقد أكون أغنى الأغنياء، وقد أكون غارق في متع لا تنتهي، وقد أكون مهيمناً، ولكن إن لم أزحزح عن النار في النهاية، وإن لم أدخل الجنة لست فائزاً، لذلك هناك من يضحك كثيراً، يضحك أولاً قليلاً ويبكي ثانياً كثيراً، وهناك من يبكي قليلاً ويضحك كثيراً، فالعاقبة للمتقين، هذه واحدة مقياس التفوق قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
( سورة الأحزاب الآية: 71 )
فمن أوتي القرآن مثلاً وظن أن أحد أوتي خير منه فقد حقر ما عظمه الله، أنت حينما تكون على عقيدة سليمة، وعلى منهج قويم وتخاف الله رب العالمين ترجو رحمته وتخشى عذابه، إن لم تشعر أنك فائز فوزاً عظيماً هذه مشكلة، كأنك تشك في مصداقية القرآن الكريم فالعبرة أن تأتي مقاييسنا في التفوق وفق مقاييس القرآن، هنا البطولة، لكن الناس ليسوا كذلك يظنون أن القوي هو المتفوق، لا.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
( سورة إبراهيم الآية: 42 )
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾
( سورة آل عمران الآية: 196 ـ 197 )